الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

136

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أصحاب هذا المحمل باق على إطلاقه لا تقييد فيه ، وأمّا عند الجمهور الذين حملوا الآية على ظاهرها في معنى تقربوا الصلاة ، وفي معنى عابري السبيل فلا تظهر له فائدة ، للاستغناء عنه بقوله بعده أَوْ عَلى سَفَرٍ ولأنّ في عموم الحصر تخصيصا ، فالذي يظهر لي أنّه إنّما قدّم هنا لأنّه غالب الأحوال التي تحول بين المرء وبين الاغتسال من جهة حاجة المسافر استبقاء الماء . ولندور عروض المرض . والاستثناء على محمل الجمهور يحتمل أن يكون متّصلا عند من يرى المتيمّم جنبا ، ويرى التيمّم غير رافع للحدث ، ولكنّه مبيح للصلاة للضرورة في الوقت ، وهذا قول الشافعي ، فهو عنده بدل ضروري يقدّر بقدر الضرورة ، ودليله ظاهر الاستثناء ، ويحتمل أن يكون منقطعا عند من يرى المتيمّم غير جنب ، ويرى التيمّم رافعا للحدث حتّى ينتقض بناقض ويزول سببه . وهذا قول أبي حنيفة ، فلذلك إذا تيمّم الجنب وصلّى وصار منه حدث ناقض للوضوء يتوضّأ لأنّ تيمّمه بدل عن الغسل مطلقا ، وهذا هو الظاهر بحسب المعنى وليس في السنّة ما يقتضي خلافه . وعن مالك في ذلك قولان : فالمشهور من رواية ابن القاسم أنّ التيمّم مبيح للصلاة وليس رافعا للحدث ، فلذلك لا يصلّي المتيمّم به إلّا فرضا واحدا ، ولو تيمّم لجنابة لعذر يمنع من الغسل وانتقض وضوءه تيمّم عن الوضوء . وعن مالك ، في رواية البغداديين : أنّ المريض الذي لا يقدر على مسّ الماء يتيمّم ويصلّي أكثر من صلاة ، حتّى ينتقض تيمّمه بناقض الوضوء ، وكذلك فيمن ذكر فوائت يصلّيها بتيمّم واحد ، فعلى هذا ليس تجديد التيمّم لغيرهما إلّا لأنّه لا يدري لعلّه يجد الماء فكانت نيّة التيمّم غير جازمة في بقائه ، ولم ينقل عن مالك قول بأنّ المتيمّم للجنابة بعذر مانع من الغسل إذا انتقض وضوءه يتوضأ . وفي مفهوم هذا الاستثناء ، عند القائلين بالمفاهيم من الجمهور ، على هذا المحمل تفصيل . فعابر السبيل مطلق قيده قوله : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا وبقي عموم قوله وَلا جُنُباً في غير عابر السبيل ، لأنّ العامّ المخصوص يبقى عامّا فيما عدا ما خصّص ، فخصّصه الشرط تخصيصا ثانيا في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى . ثم إن كان قد تقرّر عند المسلمين أنّ الصلاة تقع بدون طهارة يبق قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ مجملا لأنّهم يترقّبون بيان الحكم في قربان الصلاة على غير طهارة للمسافر ، فيكون في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ بيان لهذا الإجمال ، وإن كان ذلك لم يخطر ببالهم فلا إجمال ، ويكون قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ استئنافا لأحكام التيمّم . وتقديم المستثنى في قوله : إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ قبل تمام الكلام المقصود قصره